ابن ميثم البحراني
32
شرح نهج البلاغة
أماط : أزال . والحوبة : الإثم . وأطلق لفظ العدل على العادل مجازا إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه ، والباري تعالى عادل بالنظر إلى علمه وقضائه : أي لا يقضى في ملكه بأمر إلَّا وهو على وفق النظام الكلَّيّ والحكمة البالغة ، ويدخل في ذلك جميع أقواله وأفعاله فإنّه لا يصدر منها شيء إلَّا وهو كذلك ، وأمّا الجزئيّات المعدودة شرورا وصورة جور في هذا العالم فإنّها إذا اعتبرت كانت شرورا بالنسبة ومع ذلك فهي من لوازم الخير والعدل لا بدّ منها ولا يمكن أن يكون العدل والخير من دونها كما لا يمكن أن يكون الإنسان إنسانا إلَّا وهو ذو شهوة وغضب تلزمها الفساد والشرّ الجزئيّ ، ولمّا كان الخير أكثر وكان ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شرّا كثيرا في الجود والحكمة وجب وجود تلك الشرور الجزئيّة لوجود ملزوماتها ، وأشار بقوله : عدل إلى إيجاد العدل بالفعل ، وبقوله في وصف الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : سيّد عباده إلى قوله : أنا سيّد ولد آدم ولا فخر . وقوله : كلَّما نسخ اللَّه الخلق فرقتين . فنسخ الخلق قسمة كلّ قرن وفرقة إلى خيار وأشرار ، والقسمة يغيّر للمقسوم وإزالة عن حال اتحاده . وقوله : جعله في خيرهما . إشارة إلى ما روى عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال المطَّلب بن أبي وداعة : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أنا محمّد بن عبد اللَّه بن عبد المطَّلب إنّ اللَّه خلق الخلق فجعلني في خيرهم . ثمّ جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم . ثمّ جعلهم قبايل فجعلني في خيرهم . ثمّ جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا . وقوله : لم يسهم فيه عاهر ، ولا ضرب فيه فاجر . أي لم يضرب فيه العاهر بسهم ولم يكن للفجور في أصله شركة يقال : ضرب في كذا بنصيب إذا كان له فيه شرك ، وهو إشارة إلى طهارته من قبل أصله عن الزنا كما روى عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لم يزل ينقلني اللَّه تعالى من أصلاب الطاهرين إلى أرحام